الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

164

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

ثم إن لهذا البحث من حيث شرح معنى الولاية كلاما طويلا لعله يجيء فيما بعد إن شاء اللَّه . وأمّا الثاني : وحاصله : أنه لما وقع من يونس عليه السّلام ذلك الترديد ، وكان من أمر يونس أن سأل ربّه أن ينزل على قومه العذاب ليهلكهم ، فأتاه الوحي أنه ينزل عليهم العذاب ، مع أنه كان في علمه تعالى وفي اللوح المحفوظ أنه تعالى لم يرد هلاكهم لعلمه تعالى بأنهم يؤمنون ، وأمّا يونس فظن أن اللَّه تعالى يريد هلاكهم لوعده تعالى أن ينزل عليه العذاب ، ولم يتوجه إلى أن العذاب الموعود هو بدون الإهلاك ، بل أخذ بظاهر الوعيد ، وذلك لأنّ الملك المحدّث ( بالكسر ) قد أخفى عليه حرفا من الوحي بأمره تعالى فغاب عنه عليه السّلام وهو أنه لم يرد اللَّه تعالى هلاكهم ، ولكنه ظن أن اللَّه تعالى يريد هلاكهم . وهنا لما ابتلي بهذا الظن وكان من شأنه أن يدفعه عن نفسه بقبول شفاعة روبيل عليه السّلام ولكنه لم يقبل ذلك فابتلاه ممّا بصره بحال نفسه ، ونجا ممّا كان فيه . وكذا ما كان من موسى عليه السّلام حيث أذن اللَّه تعالى له لاختياره من قومه رجالا لميقاته ، فوقع اختياره على شرار قومه ، وإنما فعل اللَّه تعالى هذا به ، ليكون علمه آية لحق يريد اللَّه إظهاره ، وهو أنه تعالى بهذا أظهر الحقّ ، ونصّ به على ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام وبطلان ولاية من تقدم عليه عليه السّلام لدعواهم أنه تكون الولاية باختيار المسلمين ، وجه الدلالة والإظهار أنه لو صحّ اختيار المسلمين في هذا الأمر لصح اختيار موسى عليه السّلام وهو من الأنبياء أولي العزم ، مع أنه لم يكن اختياره مطابقا للحق الواقع ، وشرحه أزيد من هذا موكول إلى علم الكلام . فظهر ممّا ذكرنا : أن العراف بأحوال النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وأفعاله ومعارفه ، وكذا ما كان من أوصيائه عليهم السّلام يقطع بأنه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله من عند اللَّه تعالى قطعا وجدانيا عن معرفة ، هذا مضافا إلى أنه قد يقال : بأنه لو صحّ فرض العصمة لأحد ، وتأسيس الأحكام منه بدون الوحي الخاص ، لكان مخالفا للضرورة ، وهي أنه يلزم منه عدم احتياج